سلاسل التوريد العالمية تعاني من ضغط هائل مع تعرض العديد من المناطق "للتصحر الصناعي" بسبب فيروس كورونا (كوفيد-19)

سلاسل التوريد العالمية تعاني من ضغط هائل مع تعرض العديد من المناطق

سيستغرق الناتج الصناعي على الأقل 12 شهرًا كي يعود إلى مستويات الإنتاج في عام 2019

 بحسب تقرير جديد من بيكر مكنزي وأكسفورد إيكونوميكس "ما بعد كوفيد-19: مرونة سلاسل التوريد هي أساس التعافي" (Beyond COVID 19: Supply Chain Resilience Holds Key to Recovery ) ، فقد نتج عن الجائحة أزمة هائلة غير مسبوقة في سلاسل التوريد على مستوى العالم، وقد نشأت هذه الأزمة بسبب قلة التخطيط ونقص المرونة لدى العديد من طبقات سلاسل التوريد العالمية وعدم كفاية التنويع في استراتيجيات المصادر.

وفي الجزء الأول منه، يتنبأ التقرير بأن القطاعات الصناعية التي تلقت الضربة الأشد حول العالم ستكون هي أول من يتعافى أيضًا خلال النصف الأول من عام 2021، وذلك حيث سيشهد الطلب المكبوت انفراجه تحرُّر مدفوعة بتحسن الشعور العام، وسيرتفع مستوى الإنتاج بشكل كبير لتعويض الإنتاج الفائت خلال الفترة السابقة.

تُعزى الأزمة الحالية في سلاسل التوريد العالمية بشكل أساسي إلى نشوء بؤر "تصحر صناعي" مؤقتة يجف فيها إنتاج المدينة أو المنطقة أو الدولة ككل بشكل كبير للغاية بسبب ظروف الإغلاق، إذ تتقيد الحركة في تلك المناطق ولا تستطيع الحصول فيها إلا على البنود الأساسية كالمواد الغذائية والدوائية.

يركز التقرير أيضًا على أن الآثار الفورية لتدهور حالة سلاسل التوريد العالمية نستطيع الشعور بها في الوقت الحالي بالفعل، فمصانع السيارات في كوريا تغلق أبوابها بسبب نقص القطع التي ترد إليها من الصين كما يتداعى مخزون مصانع الهواتف الذكية من المكونات بشكل خطير. ونتيجة لذلك، يُتوقع تراجع التجارة العالمية بنسبة تزيد عن 4% خلال الربع الأول من عام 2020 وتكون مرشحة لمزيد من التراجع أيضًا خلال الربع الثاني من العام نفسه.

يوضح السيد ماتياس هيدوول، الرئيس العام لمجموعة International Commercial & Trade التابعة لشركة بيكر مكنزي هذه الآثار الخطيرة على سلاسل التوريد العالمية فيقول: "من الواضح أن تأثير فترات الإغلاق المطوَّلة لأجزاء من الاقتصاد العالمي يمتد حاليًا ليصل إلى سلاسل التوريد، وذلك مع نفاد المخزون الحالي. إن الشركات بحاجة إلى التركيز على كيفية تقليل اضطراب سلسلة التوريد وضبطها بتغيير المشهد سريعًا. وهذا يشمل، من بين عدة أمور أخرى، آثار التغيرات على البنية التحتية والضرائب والتوظيف، والاستفادة من خيار نقض التغييرات سريعًا إذا كان الموقف يتجه نحو الاستقرار السريع".

وأضاف بوريس داكيو، الرئيس المشارك لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، الامتثال والتحقيقات، ورئيس الامتثال في منطقة الخليج في شركة بيكر مكنزي، "خلال هذه الفترة من عدم اليقين، من المهم وبشكل خاص أن تكون الشركات على علم بالمخاطر الناشئة عن القيود التجارية وقضايا سلسلة التوريد/ الإمداد، خاصة عند البحث عن مصادر جديدة للإمداد أو التعامل مع شركاء تجاريين جدد من أطراف ثالثة. حيث ستؤدي العناية الواجبة بالامتثال الكافي للأطراف والولايات القضائية والمنتجات وهياكل المعاملات الجديدة دورًا لا يتجزأ في الإدارة الفعالة لمخاطر سلسلة التوريد."

التأثير على القطاع الصناعي عالميًا

بينما يظل هناك عدد من السيناريوهات المطروحة بخصوص الاقتصاد العالمي على مدار العامين المقبلين، فإن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس تتوقع أن يتعرض التصنيع العالمي للانخفاض بنسبة 5% في الأشهر الستة الأولى من هذا العام مقارنة بعام 2019، ثم سيتعافى بنسبة كبيرة من هذا التراجع خلال النصف الثاني من عام 2020 وأخيرًا سيتجاوز معدلاته في عام 2019 مع بداية عام 2021.

كما يظهر في الجدول أدناه فإن مسار التراجع ومداه متبوعًا بالتعافي اللاحق يختلف بحسب القطاع الفرعي الصناعي. ويظهر أن قطاع السيارات سيشهد أكبر تراجع في الإنتاج عالميًا خلال النصف الأول من عام 2020 بنسبة 13%، ويأتي من بعده قطاع النسيج متراجعًا بنسبة (8%) ثم الإلكترونيات (7%)، ورغم ذلك فإنه بحسب هذا التوقع أيضًا من المرجح أن يحظى قطاع السيارات ومعدات النقل الأخرى موجة التعافي الأسرع، بجانب قطاع النسيج.

يُتوقع لجميع القطاعات الصناعية الأساسية الأربعة، التي تناولها هذا التقرير بالتحليل، أن تبدأ في التعافي خلال النصف الثاني من عام 2020، بحيث يكون التعافي الأقوى في قطاعي السيارات والنسيج اللذان سيشهدان نموًا بنسبة 10% و 8% على التوالي (نسبة إلى مستوياتهما في النصف الأول من عام 2020)، ثم ستشهد جميع القطاعات بعد ذلك على الأقل بعض النمو في ناتجها بالنسبة لمستويات عام 2019 وذلك بحلول عام 2021.

التأثير على الصين

نتيجةً للدور الفريد الذي تلعبه الصين في سلسلة التوريد العالمية، وحساسيتها للتراجع في الطلب العالمي كأمَّة مصدِّرة رائدة، يرى التوقع أنها ستشهد تراجعًا أعمق بكثير في مخرجات الإنتاج لهذا العام بشكل يتجاوز معدلات التراجع العالمي كما يظهر في الجدول أدناه، حيث يظهر أن ثمة قطاعات مثل قطاع السيارات والإلكترونيات لن تتمكن من العودة لتحقيق مستويات عام 2019 فعليًا حتى عام 2022. وسوف يشهد قطاع السيارات الصيني تراجعًا بنسبة 19% في معدلات الناتج خلال النصف الأول من عام 2020 في حين سيشهد قطاع الإلكترونيات تراجعًا في الإنتاج بنسبة 17%، وذلك بالنسبة لبيانات الربع الرابع من عام 2019. سيشهد قطاع النسيج أيضًا تراجعًا بنسبة 14% خلال النصف الأول من عام 2020 والصناعات المؤقتة (11%) وقطاع الفضاء (6%).

وبسبب توقف نشاط الاقتصاد الصيني على نطاق واسع لعدة أسابيع أيضًا، فقد ظهر أن العديد من الشركات متعددة الجنسيات لديهم خطط محدودة للتعامل مع اضطرابات سلسلة التوريد في الحالات الطارئة. كما أن ذلك سرعان ما أبرز مشكلات تركز سلسلة التوريد بالنسبة للشركات العالمية التي لطالما اعتمدت بشكل كبير على الصين.

وقد تضاعف هذا الأمر كثيرًا بالنسبة للشركات التي تعتمد على عمليات الإنتاج في الوقت المحدد - وهي مهمة بشكل خاص في قطاعات مثل قطاع السيارات - و/ أو القطاعات التي تتمتع بمستويات مخزون ضئيلة.

إعسار المورد

مع انتقال مركز الوباء من الشرق إلى الغرب، برزت هذه المشكلات ذاتها بشكل حاد بالنسبة لأولئك الذين يحصلون على السلع والخدمات المتخصصة بشكل كبير في أسواق رئيسية كألمانيا وشمال إيطاليا وحاليًا الولايات المتحدة. وربما تشهد الأشهر المقبلة كذلك بعض التحديات الأخرى بشأن تأمين بعض فئات السلع إذا ما انتقل مركز الوباء مرة أخرى إلى الأسواق الناشئة.

قالت ديبرا أ. داندينو، المقيمة في نيويورك، رئيسة مؤسسة Global Restructuring & Insolvency Practice، التابعة لشركة بيكر مكنزي، إن هناك خطر متزايد أيضًا بشأن إعسار الموردين من حول العالم.

كما علّقت داندينو أيضًا بقولها إن بعض الشركات قد تضطر لدعم مورديها لأمد قصير على الأقل، لكن سيكون من المهم فهم مصدر الأزمة التي يواجهها الموردون. وربما يشرع موردون آخرون في، أو يجدون أنفسهم مضطرين لإجراء ، نوع ما من إجراءات إعادة الهيكلة الرسمية أو إجراءات الإعسار ، والتي من المرجح أن تضيف بعض التأخير إلى العمليات. ويعدّ معرفة طريقة عمل القانون في كل اختصاص قضائي محتمل أمرًا من شأنه أن يساعد الشركات على تطوير استراتيجية مسبقة للتعامل مع ذلك الوضع.

التحوّل طويل الأمد

يسلط التقرير الضوء على أن إدارة مخاطر سلسلة التوريد قد قفز إلى صدارة جداول أعمال العديد من الشركات بسبب الأزمة الحالية التي تؤثر على سلاسل التوريد، ومن المرجح لهذا البند أن يظل على رأس أولويات تلك الشركات طويلاً بعد أن يبدأ الخطر الوشيك لفيروس كوفيد-19 في الانحسار.

وفي حين أن عمليات إدارة المخاطر هذه قد تتطلب تكلفة باهظة، إلا أنها في الغالب يتم تعويضها من خلال التوفير الذي يمكن لتك العمليات أن تحققه من خلال المساعدة في الإبلاغ بالقرارات بشأن تسعير المنتج بغرض تحويل ميزان الطلب نحو الخطوط الأقل تأثرًا، وشراء المخزون، والإدارة، ونقل عمليات الإنتاج عبر المواقع. وقد كان هناك زيادة واضحة في هذا النشاط كأحد الأمور الملحّة، من أجل تخفيف بعض الآثار المباشرة لفيروس كوفيد-19، بما في ذلك التراجع الكبير في الإنتاج في بعض القطاعات.

على المدى الأطول، سيكون التحويل الرقمي لسلسلة التوريد هو الطريقة التي تبدأ من خلالها الشركات بشكل متزايد في وضع الاستراتيجيات وتحقيق مرونة الأعمال لمجابهة اضطرابات سلاسل التوريد. وفي هذا السياق، يمكن لتحليلات البيانات الضخمة مساعدة الشركات في تبسيط إجراء اختيار الموردين، في حين يتم استخدام الحوسبة السحابية بشكل متزايد لتسهيل علاقات الموردين وإدارتها.

وقالت آن بيترد، شريك التكنولوجيا والاتصالات والشريك التجاري لشركة بيكر مكنزي، وتقيم في سيدني، "لم تكن إدارة سلاسل التوريد المحسنة واعتماد التحول الرقمي أكثر أهمية من هذا الوقت. وستكون الشركات التي تتمتع بإجراءات مدروسة جيدًا لإدارة مخاطر سلاسل التوريد ذات وضعية أفضل للتعرف على تأثير الأحداث الهدّامة على سلاسل التوريد وعرض المنتجات الخاصة بها، مما يتيح لتلك الشركة فرصة لتقييم الطريقة الأفضل للتجاوب مع الأمور في الظروف الصعبة".

الطريق مستقبلاً

يخلص التقرير إلى أنه للاستفادة من الدعم السياسي في جميع أنحاء العالم، يجب أن تكون الشركات نشطة وسريعة التحرك وجاهزة للتعامل مع قيود التشغيل وقيود العمالة وقيود الطلب/ العرض وإعادة تناول أمور التخطيط الاستراتيجي والضريبي وإعادة النظر في نماذج الأعمال بعد كوفيد-19. وهذا يعني هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بها) وتكثيف التحولات الرقمية، والتي يمكن أن تؤدي إلى التزام أقوى بأهداف الاستدامة إلى جانب بناء شركات مرنة.

بينما نبدأ المناقشات حول ما سوف يستتبعه الوضع الطبيعي الجديد، من الواضح أنه يمكن للشركات المساعدة في تشكيله من خلال تخطيط قوي وسيناريوهات أكثر شمولية لإدارة المخاطر.