تبعات بريكست لا تزال تخيّم على الآفاق الاقتصادية للمملكة المتحدة 

تبعات بريكست لا تزال تخيّم على الآفاق الاقتصادية للمملكة المتحدة 

خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي رسمياً في الأول من يناير 2020 بموجب ما يُعرف بـ "اتفاقية الانسحاب"، لكنها دخلت "فترة انتقالية" قابلة للتمديد حتى نهاية العام الحالي. وعلى الرغم من جائحة كوفيد- 19، ظل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حتى الآن ملتزماً بوعده بعدم تمديد الفترة الانتقالية. وقد حددت المفاوضات بين الجانبين مجموعة من القضايا الرئيسية لكن كلا الجانبين وضع خطوطاً حمراء. ويقول جونسون إنه لا بد من إبرام صفقة من قبل قمة المجلس الأوروبي في 15 أكتوبر وإلا فإن المملكة المتحدة ستنسحب من المفاوضات. ومع ذلك، من المرجح أن يكون هذا الموعد قابلاً للتمديد ونتوقع استمرار المفاوضات.

وأقرت اتفاقية الانسحاب نوعاً جديداً من الحدود في البحر الأيرلندي (انظر الخريطة). لذلك، فإنه في حالة عدم التوصل لاتفاقية جديدة، ستضطر إيرلندا الشمالية إلى الامتثال لقواعد السوق الموحدة الأوروبية، بما في ذلك الأحكام التي تغطي مجالات مثل سلامة الأغذية والإعانات الحكومية. وهذا غير مقبول بالنسبة للمملكة المتحدة، التي ردت بإدخال تشريعات تمنحها سلطات أحادية الجانب لتوفيق السياسات المتعلقة بهذه المجالات مع السياسة المتبعة لديها، بدلاً من سياسة الاتحاد الأوروبي. ولكن حكومة المملكة المتحدة نفسها تقر بأن ذلك من شأنه أن يخرق شروط اتفاقية الانسحاب، وبالتالي فإنه يعد بالفعل خرقاً للقانون الدولي. رداً على ذلك، شرع الاتحاد الأوروبي في إجراءات قانونية لإرغام المملكة المتحدة على التفاوض حول صفقة مقبولة للطرفين.

خريطة: حدود إيرلندا الشمالية بعد بريكست

المصادر: بلومبيرغ

سنقوم بمراجعة أربعة مسائل خلافية عالقة حول الأحكام المتعلقة بتكافؤ الفرص، ومصايد الأسماك، والهيكل الفعلي للاتفاق، وإيرلندا الشمالية.

أولاً، يصر الاتحاد الأوروبي على مبدأ تكافؤ الفرص. ويريد الاتحاد الأوروبي من المملكة المتحدة أن تضمن عدم تقويض بعض لوائحه من أجل الحصول على ميزة تنافسية (كاللوائح المتعلقة بالإعانات الحكومية، ومعايير العمل، والمعايير البيئية، والضرائب) في مقابل الاستمرار في إتاحة إمكانية الوصول إلى أسواقه. ومع ذلك، تجادل المملكة المتحدة بأن هذا أمر غير مسبوق في الصفقات التجارية وتصر بدلاً من ذلك على منحها حرية النأي عن قواعد الاتحاد الأوروبي لتكون قادرة، على سبيل المثال، على تقديم الدعم المالي للشركات، بما يتوافق مع القواعد الدولية فقط (بدلاً من لوائح الاتحاد الأوروبي)، أو تخفيض الضرائب إلى مستويات أقل من الحدود الدنيا المقررة من قبل الاتحاد الأوروبي.

ثانياً، يختلف الجانبان حول وصول الاتحاد الأوروبي إلى الصيد في المياه الإقليمية للمملكة المتحدة. وتريد المملكة المتحدة إجراء مفاوضات سنوية حول الوصول إلى المياه وحصص الصيد، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على الوصول المتبادل الحالي وحصص الصيد المستقرة.

ثالثًا، يختلف الجانبان حتى بشأن هيكل الاتفاق. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى اتفاقية واحدة متكاملة تغطي جميع جوانب العلاقة الاقتصادية المستقبلية. في المقابل، تريد المملكة المتحدة فصل الصفقة التجارية، باتفاقاتها القانونية الخاصة، عن الجوانب الأخرى، مثل الطيران والأمن والطاقة ومصايد الأسماك وما إلى ذلك.

القضية الأخيرة، وربما الأكثر تعقيداً، هي تفاصيل التجارة مع إيرلندا الشمالية بعد انتهاء الفترة الانتقالية. على وجه الخصوص، المتطلبات الجمركية والضوابط التنظيمية لحركة السلع بين إيرلندا الشمالية وبقية المملكة المتحدة. ففحين يريد الاتحاد الأوروبي منع البضائع التي لا تستوفي شروط وقواعد الاتحاد الأوروبي من التسرب إلى السوق الأوروبية الموحدة، تريد المملكة المتحدة ضمان حركة غير مقيدة داخل سوقها الداخلية.

ويدعي كل جانب أن له اليد العليا، لكن مع نفاد وقت المفاوضين، بدأ احتمال التوصل إلى "صفقة" من عدمه يتضاءل، وارتفعت مخاطر الخروج "بدون صفقة" بشأن العلاقة التجارية.

على الرغم من أن كلا الجانبين يتحدث بحزم ويبدو أنه غير راغب في التنازل عن خطوطه الحمراء، ما زلنا نعتقد أن التوصل إلى اتفاق جزئي بشأن التجارة هو الاحتمال الأقرب. في الواقع، لا يزال كلا الجانبين منخرطاً في المحادثات، ومن وجهة نظرنا، فإن التوصل إلى الاتفاق هو أمر يصب في مصلحة الطرفين. لذلك، نتوقع أن يتم الاتفاق على صفقة بشأن تجارة السلع وتنفيذها جزئياً على الأقل بحلول نهاية العام. ونرى أن المملكة المتحدة هي الطرف الذي يُرجح بدرجة أكبر أن يقوم بتقديم تنازلات بشأن مصايد الأسماك ومكون "دعم الدولة" في مسألة تكافؤ الفرص.

من غير المرجح أن تشتمل مثل هذه الصفقة على مسألة المواءمة التنظيمية، مما سيؤدي إلى اضطراب الحدود وستظل تجارة الخدمات في الغالب خارج نطاق الصفقة. على سبيل المثال، يمكن أن تكون هناك متطلبات جمركية جديدة وتفتيش حدودي ومتطلبات اختبار وخلافات في تجارة الخدمات عبر الحدود. ستكون العوائق أمام التجارة الثنائية أكثر وضوحاً في مجالات الاختلاف التنظيمي، ومن المرجح أن تؤدي إلى ارتفاع التكاليف الإدارية لكل من شركات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لا يزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشكل عاملاً سلبياً مؤسفاً للآفاق الاقتصادية للمملكة المتحدة. لذلك، ستحتاج حكومة المملكة المتحدة وبنك إنجلترا إلى الحفاظ على تحفيزات مالية ونقدية كبيرة لتحقيق انتعاش ولو ضعيف من الركود العميق الناجم عن وباء كوفيد- 19. هناك أيضاً احتمال مقلق بأن تتمتع بلدان البر الأوروبي بانتعاش أقوى وأكثر صلابة من المملكة المتحدة.